محمد بن جرير الطبري
65
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وقوله : ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ يقول تعالى ذكره : يوم يسحبون في النار على وجوههم ، يقال لهم : ذوقوا مس سقر ، وترك ذكر " يقال لهم " استغناء بدلالة الكلام عليه من ذكره . فإن قال قائل : كيف يذاق مس سقر ، أوله طعم فيذاق ؟ فإن ذلك مختلف فيه ؛ فقال بعضهم : قيل ذلك كذلك على مجاز الكلام ، كما يقال : كيف وجدت طعم الضرب وهو مجاز ؟ وقال آخر : ذلك كما يقال : وجدت مس الحمى يراد به أول ما نالني منها ، وكذلك وجدت طعم عفوك . وأما سقر فإنها اسم باب من أبواب جهنم وترك إجراؤها لأنها اسم لمؤنث معرفة . وقوله : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ يقول تعالى ذكره : إنا خلقنا كل شيء بمقدار قدرناه وقضيناه ، وفي هذا بيان ، أن الله جل ثناؤه ، توعد هؤلاء المجرمين على تكذيبهم في القدر مع كفرهم به . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : ثنا هشام بن سعد ، عن أبي ثابت ، عن إبراهيم بن محمد ، عن أبيه محمد ، عن ابن عباس أنه كان يقول : إني أجد في كتاب الله قوما يسحبون في النار على وجوههم ، يقال لهم : ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ لأنهم كانوا يكذبون بالقدر ، وإني لا أراهم ، فلا أدري أشيء كان قبلنا ، أم شيء فيما بقي . حدثنا ابن بشار وابن المثنى ، قالا : ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، قال : ثنا سفيان ، عن زياد بن إسماعيل السهمي ، عن محمد بن عباد بن جعفر ، عن أبي هريرة أن مشركي قريش خاصمت النبي صلى الله عليه وسلم في القدر ، فأنزل الله إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ . حدثنا ابن بشار وابن المثنى وأبو كريب ، قالوا : ثنا وكيع بن الجراح ، قال : ثنا سفيان ، عن زياد بن إسماعيل السهمي ، عن محمد بن عباد بن جعفر المخزومي ، عن أبي هريرة ، قال : جاء مشركو قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخاصمونه في القدر ، فنزلت إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ . حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا أبو عاصم ، . . عن سفيان ، عن زياد بن إسماعيل السهمي ، عن محمد بن عباد بن جعفر المخزومي ، عن أبي هريرة ، بنحوه . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا حصين ، عن سعد بن عبيدة ، عن أبي عبد الرحمن السلمي ، قال : ولما نزلت هذه الآية إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ قال رجل : يا رسول الله ففيم العمل ؟ أفي شيء نستأنفه ، أو في شيء قد فرغ منه ؟ قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اعملوا فكل ميسر لما خلق له ، سنيسره لليسرى ، وسنيسره للعسرى " . حدثنا ابن أبي الشوارب ، قال : ثنا عبد الواحد بن زياد ، قال : ثنا خصيف ، قال : سمعت محمد بن كعب القرظي يقول : لما تكلم الناس في القدر نظرت ، فإذا هذه الآية أنزلت فيهم إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ إلى قوله خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا أبو عاصم ويزيد بن هارون ، قالا : ثنا سفيان ، عن سالم ، عن محمد بن كعب ، قال : ما نزلت هذه الآية إلا تعبيرا لأهل القدر ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن سالم بن أبي حفصة ، عن محمد بن كعب القرظي ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ قال : نزلت تعييرا لأهل القدر . ثنا مهران ، عن سفيان ، عن زياد بن إسماعيل السهمي ، عن محمد بن عباد بن جعفر المخزومي ، عن أبي هريرة ، قال : جاء مشركو قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخاصمونه في القدر ، فنزلت : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ . قال : ثنا مهران ، عن حازم ، عن أسامة ، عن محمد بن كعب القرظي مثله . حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ قال : خلق الله الخلق كلهم بقدر ، وخلق لهم الخير والشر بقدر ، فخير الخير السعادة ، وشر الشر الشقاء ، بئس الشر الشقاء . واختلف أهل العربية في وجه نصب قوله : كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ فقال بعض نحويي البصرة : نصب كل شيء في لغة من قال : عبد الله ضربته ؛ قال : وهي في كلام العرب كثير . قال : وقد رفعت كل في لغة من رفع ، ورفعت على وجه